‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوميات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوميات. إظهار كافة الرسائل

عبدالوهاب بدرخان...عن السياسة في زمن "كورونا"

مارس 09, 2020 اضف تعليق


ليس أسوأ من الكوارث الطبيعية والأوبئة على حياة البشرية، وإذ ترتبط الأولى بعوامل أمكن للعلم أن يفسّرها وحتى أن يستبقها أحياناً، إلا أنه في حال الكائنات المجهرية والفيروسات قلّ ما يتمكّن من الاستباق على رغم التقدّم التكنولوجي وبلوغ الذكاء الاصطناعي الذي بات في نظر صانعيه محور المستقبل.
وحده الاستبداد السياسي ينافس الطبيعة على كوراثها والحيوانات على أوبئتها، وكأنه ممثلها الشرعي الوحيد في عالم الانسان. الزلازل مثل التسونامي مثل البراكين صاخبة في قتلها وتدميرها وتشريدها للناس. الأوبئة كالـ "كورونا" صامتة غير مرئية لكنها تتسلل من حيث لا يدري أحد وتقتل وتثير الهلع فتقفر الساحات والشوارع والمدارس والملاعب. الاستبداد يفعل كل ذلك بخليط من الصخب والصمت، وعلى رغم الضوابط الإنسانية التي توضع لردعه إلا أنه يتخطاها جميعاً ليستمر متمتعاً بالقتل والتدمير والتهجير، ولا يشبهه إلا الإرهاب الذي يتحدّر من "سلالته".
في مناطق الزلازل تبنى العمارات بمواصفات تمكنها من الصمود وعدم السقوط، وأصبحت هناك أنظمة انذار مبكر لحالات التسونامي والأعاصير وتفجّر البراكين. أما الأوبئة فلا يمكن أن تواجه إلا بعد أن تحلّ وتفعل فعلها، وتتفاوت فترة انتظار اللقاح بين حال وحال، بل يحدث أن يكون الفيروس من الخبث والمكر بحيث أن تفشّيه يتيح له تحوّلاً ذاتياً فيُفشل إمكان حصر أعراضه، كما بدأ يقال الآن عن "كوفيد - 19". ليست هناك لقاحات للاستبداد، على رغم أن تكراره تاريخياً كثّف البحث عن وصفات "ديموقراطية" ودساتير وقوانين لعلاجه، إذ لا يزال يتسبّب بحروب أزهقت من الأرواح ما يناهز ضحايا الموت الأسود والطاعونين الأنطوني والجستنياني والحصبة والجدري التي صنعت أهوالاً في تاريخ الأوبئة منذ بداياته الى اليوم.
الكائن المجهري الذي غزا العالم في غضون ستة أسابيع سلّط الضوء على هشاشة القوة العظمى التي يمكن أن تتّصف بها أي دولة كبرى. فقد تكون الأكثر تقدماً وتجهيزاً واستعداداً لمواجهة أي طارئ، لكنها تبقى عاجزة أمام عدو مجهول غير مرئي، فلا بدّ من تشخيص الداء ليوضع الدواء. هذه دول تقيس استقرارها بحيوية اقتصادها وزيادة انتاجيتها وحركة الحياة العامة فيها، لكن صرامة انتظامها تتأثر سريعاً كما حصل في الصين، وكما يُخشى في البلدان الغربية التي تفكّر بأسوأ السيناريوات فيما تحاول التزام وتيرتها العادية. تشاء المفارقة أن يكون القلق والهلع أقلّ في البلدان غير المستقرّة، كما لو أن هذه الأخيرة موبوءة على الدوام، فلا يُرتجى من اقتصادها وانتاجيتها أكثر مما هو ضروري للعيش الموقّت الدائم.
قد يتصوّر الشخص العادي أن اتخاذه الاحتياطات اللازمة من النظافة والتعقّم يكفي لمواجهة الفيروس، وعندما يسمع اخبار الغاء الفعاليات واغلاق المدارس ونصائح بعدم السفر والتنقّل والتخالط مع الناس ربما يتخيّل أن السلطات تفضّل هذه الإجراءات لمجرّد التحوّط لكنه عندما يرى المواد التموينية تنفد بشكل غير مسبوق فإنه سيشك بأنها تخفي عنه ما تعرفه عن الوباء وسيشعر بدوره بالهلع. ثمة روايات وأفلام كثيرة ("عدوى"، "قطار الى بوسان"، يوم القيامة"...) تخيّلت مشاهد مفزعة لما يمكن أن يحدث في حالات الهلع الجماعي، وأعادتها "كورونا" الى الذاكرة الراهنة.
عندما وقع الاتفاق التجاري "التاريخي" بين الولايات المتحدة والصين قيل إن الدولتين دخلتا هدنة في حرب مقلقة أشعلها دونالد ترامب وكادت تخرج من نطاق التجارة البينية البحتة لتتحوّل حرباً فعلية بالمعنى المتعارف عليه، ولا تنقصهما الذرائع لأن أزمتي كوريا الشمالية وتايوان دائمتا الحضور في خلافاتهما. تزامن توقيع الاتفاق، منتصف كانون الثاني (يناير) الماضي، مع الأنباء الأولى من الصين عن انتشار فيروس "كورونا"، لكنه كان رُصد قبل شهر ولم تعترف به بكين إلا بعدما تزايدت حالات الوفاة. بين التكتم الإعلامي كتقليد درج عليه نظام الحكم، وبين لزوم الحفاظ على السمعة والحركة التجاريتين، لم يكن هناك استعداد صيني للإعلان عن الوباء رغم تجارب سابقة مع سلالة "كورونا" المقيمة ومنها "سارس" ونسيبها "انفلونزا الطيور".
عندما تأكد أن الأضرار الاقتصادية واقعة لا محالة لم يعد في امكان بكين أن تواجه الوباء إلا بإجراءات استثنائية. هنا بدا أن للنظام البوليسي المتشدّد "فضيلته"، وإلا فكيف يمكن محاصرة النطاق الجغرافي لبؤرة الفيروس والحجر على ما يزيد عن ستين مليون شخص. استطراداً راح مسؤولون أوروبيون يفكّرون في سيناريوات لإغلاق مدن وأقاليم إذا اشتبه بأنها صارت موبوءة، وهذا ما طبّق عملياً في بعض مناطق شمالي إيطاليا. في ايران انتشر المرض من أماكن الزيارات الدينية وازدادت الوفيات من دون أن تتمكن السلطات الصحيّة من حصره، ولعل التمثّل بالنموذج الصيني أدى الى اعلان أن "الحرس الثوري" سيتولّى مقاومة الوباء، ما يعني أن الحكومة فشلت في المهمة.
لم تخرج واشنطن عن صمتها إلا بعد صدور تقدير أولي يحدّد الخسائر الاقتصادية بتريليون دولار، ولم يظهر دونالد ترامب للتحدّث علناً عن خطر "كورونا" إلا بعدما تضاعف هذا التقدير ليبلغ ثلاثة تريليونات، مع توقعات بأن تزيد نظراً الى تأثر كل القطاعات بشكل مباشر أو غير مباشر. لكن جانباً من اطلالة ترامب كان مخصّصاً لإعلان أن اميركا تعمل على انتاج اللقاح المرتقب. الصين ودول أخرى كانت بدأت أيضاً السعي الى هذا اللقاح. ثمة سياسة وطموحات تجارية في هذا السباق، بعدما تبادل الجميع الاتهامات بعدم الشفافية في تبادل المعلومات عن وباء يُحتمل أن يفتك بمئات آلاف البشر أو أكثر، تماماً كما حصل ويحصل في الاشتكاء من سوء تبادل المعلومات المتعلقة بمكافحة الإرهاب وغيره من الأوبئة.

هل تنجح الجهود الروسية في إعادة تأهيل الأسد دوليًا؟

أغسطس 14, 2018 اضف تعليق

المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات | 
مقدمة
ما إن انتهت قمة هلسنكي بين الرئيسين الأميركي، دونالد ترامب، والروسي، فلاديمير بوتين، في 16 تموز/ يوليو 2018، حتى شرعت روسيا في حملة علاقات عامة على المستوى الدولي، سعت من خلالها الى إعطاء انطباع مفاده أنّ "الحرب" في سورية قد انتهت، أو قاربت نهايتها، وأنّ عمليتَي إعادة الإعمار وإعادة اللاجئين والمهجرين السوريين إلى مدنهم وقراهم تُوشكان أن تبدآ. وكان الرئيس الروسي قد دعا، خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع ترامب، إلى ضرورة تعاوُن البلدان في معالجة الجوانب الإنسانية للأزمة السورية وتسهيل عودة اللاجئين والمهجرين السوريين إلى بيوتهم. 

وعلى الفور، أرسلت الخارجية الروسية فريق عمل إلى تركيا والأردن ولبنان، أكبر ثلاث دول تستضيف اللاجئين السوريين في المنطقة، لشرح "الخطة الروسية" المتعلقة بإعادة اللاجئين. وأشار رئيس مركز مراقبة الدفاع الوطني الروسي، الجنرال ميخائيل ميزينتسيف، الذي يبدو أنه بات مسؤولًا عن تنسيق الجهود الإقليمية من أجل إعادة اللاجئين السوريين من دول الجوار، إلى أنّ بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أكدت له أنه "يمكن أن يعود نحو 890 ألف مواطن سوري إلى وطنهم خلال الأشهر المقبلة"، وأضاف قائلًا: "أنشأت الحكومة اللبنانية فريقًا عاملًا لتشكيل لجنة مشتركة للتعاون مع سورية بخصوص عودة اللاجئين. وقد أفادت مراكز اللاجئين الإقليمية اللبنانية أنها تلقّت 10 آلاف طلب من مواطنين سوريين [يسعون] للعودة إلى وطنهم". وقال ميزينتسيف، أيضًا، إنّ الأردن "اتخذ عددًا من الخطوات لتشجيع أكثر من 200 ألف مواطن سوري على التعبير عن رغبتهم في العودة إلى أماكن إقامتهم الدائمة". 

لكن هذا الموقف الروسي الذي أوّل موقف موظفي المنظمة الدولية بحسب رغبته، وبما يبرر تفاؤله المعدّ سلفًا، اصطدم بموقف غير متحمس من الأمم المتحدة ووكالاتها المختصة؛ مثل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، اللذين وجدا "تسرعًا" غير محسوب في الخطة الروسية، ما دعا المنسق الروسي إلى انتقاد وكالات الأمم المتحدة المختلفة واتهامها بأنها "تسترشد بموقف الغرب وتنتظر حتى يتغير هذا الموقف الغربي". وقد بدا الفتور الغربي غير مفهوم بالنسبة إلى روسيا التي اعتقدت أن إعادة اللاجئين السوريين ستمثّل نقطة جذب مهمة للسياسة الغربية، أو على الأقل لأوروبا تحديدًا؛ فموضوع الهجرة كان محور سياسات القارة الأوروبية منذ عام 2015 حين شهدت موجات غير مسبوقة من اللاجئين والمهاجرين، وقد كانت نسبة السوريين منهم كبيرة.

فهل هي خطة لعودة اللاجئين إلى منازلهم وبيوتهم "المدمرة"؟ أم هي إعادة بعضهم مشهديًا من أجل تأهيل نظام الأسد؟
خلفيات الخطة الروسية

منذ انطلاق الثورة السورية في ربيع عام 2011، مثّلت روسيا، لأسباب مختلفة، ظهير النظام السوري الرئيس على الساحة الدولية، ووفرت له الحماية في مجلس الأمن بدايةً من تشرين الأول/ أكتوبر 2011؛ عندما استخدمت حق النقض "الفيتو"، في المرة الأولى، بالتعاون مع الصين، من أجل منع صدور قرار يدين الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في سورية ويهدد بإجراءات ضد حكومة الرئيس بشار الأسد. منذ ذلك الوقت، استخدمت روسيا حق النقض في الأزمة السورية 12 مرة، كان جميعها مخصصًا لحماية النظام من أي إدانة في مجلس الأمن. 

ولم تكتفِ روسيا بتوفير هذا الغطاء الدبلوماسي، بل قامت أيضًا بإمداد النظام بمختلف أنواع الأسلحة قبل أن تتدخل عسكريًا لمصلحته في أيلول/ سبتمبر 2015، بحجة فشل التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن في القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية "داعش". ومنذ ذلك الحين، تمكّنت روسيا من منع إلحاق هزيمة محققة بالنظام وقلب موازين القوى في الصراع لمصلحته، والتحول إلى طرف رئيس في تقرير مستقبل حل الأزمة في سورية. وقد تبيّن أن هذا هو هدفها الحقيقي الذي يمنحها أوراقًا على الساحتين الإقليمية والدولية. 

ويثير التركيز على موضوع اللاجئين والمهجرين، وطرح خطة دولية تشرف روسيا على تنفيذها، أسئلة عن حقيقة الأهداف التي تسعى موسكو لتحقيقها في هذه المرحلة، علمًا أن روسيا استخدمت اللاجئين قبل ذلك سلاحًا في مواجهة الغرب والضغط عليه لتغيير موقفه من الصراع في سورية، إذ استهدف سلاح الجو الروسي استهدافًا مباشرًا المدنيين في مناطق المعارضة؛ لدفع أكبر عدد منهم إلى الهجرة وإغراق أوروبا بموجات منهم، الأمر الذي تسبّب بأزمة سياسية كبرى على صعيد الاتحاد الأوروبي، وأسهم في صعود التيارات اليمينية المتطرفة المعادية للأجانب التي استخدمت قضايا اللاجئين للحشد والتعبئة بهدف الوصول إلى السلطة (تعاطفت معها روسيا علنًا، وأبدت هي بدورها إعجابًا ببوتين وبشار الأسد)؛ كما حصل في ألمانيا، والمجر، وإيطاليا، وغيرها من الدول الأوروبية. والملاحظ، أيضًا، أن روسيا تستضيف العدد الأقل من اللاجئين السوريين، ومعظمهم يعاني أوضاعًا صعبة على الأراضي الروسية، ويعتبر هذه الأراضي منطقة عبور إلى الأراضي الأوروبية.

وفي محاولة لفهم حقيقة الأهداف الروسية من طرح خطة إعادة اللاجئين المهجرين السوريين، يمكننا أن نحيل على نقطتين رئيستين:

• النقطة الأولى: رغبة روسيا في جني أرباح التدخل في سورية، على الرغم من أنه لا توجد أرقام روسية رسمية متعلقة بالتكلفة البشرية أو المادية التي كابدتها روسيا في سورية، خصوصًا في ضوء استخدامها لشركات أمنية خاصة، مثل شركة "واغنر" المتعاقدة مع وزارة الدفاع، والتي تضم مرتزقة من الروس يقاتلون في سورية، من دون أن تدخل سجلاتهم في وزارة الدفاع الروسية، وقد سقط مئات من هؤلاء المقاتلين في سورية بحسب تقارير مختلفة. أما التكلفة المادية فتفوق، بحسب بعض التقارير، ثلاثة مليارات دولار أميركي؛ ولذلك ترغب روسيا حاليًا في الحصول على بعض العائدات في ضوء الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها بسبب العقوبات الغربية. وقد وجدت القيادة الروسية أن المدخل الوحيد لإقناع الأوروبيين بتقديم التمويل اللازم لعمليات إعادة الإعمار، التي تضطلع الشركات الروسية بجزء كبير منها، هو استخدام ورقة عودة اللاجئين السوريين التي تمثّل أولوية بالنسبة إلى دول أوروبية كثيرة أخذ الرأي العام فيها ينحرف يمينًا من جرّاء قضية المهاجرين واللاجئين.

• النقطة الثانية: رغبة روسيا في إعادة تأهيل نظام الأسد دوليًا. وفي هذا السياق، تدرك روسيا أن الحاجة الدولية إلى نظام الأسد ربما انتهت تمامًا، فقد استطاعت الولايات المتحدة، ومن خلفها الحلفاء الأوروبيون، استعادةَ معظم المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة، وعلى رأسها مدينة الرقة، من دون التنسيق مع النظام السوري أو التعاون معه؛ ومن ثمّ فقد استهلكت "ورقة محاربة الإرهاب" التي غالبًا ما كان يتذرع بها النظام السوري لدعوة الأطراف الغربية إلى الحوار معه، ولم يعد هناك سوى "ورقة اللاجئين"، بوصفها الورقة التي يمكن أن تغيّر الموقف الغربي كليًا من النظام السوري.

ورغم أنه لا يمكن استبعاد ارتفاع بعض الأصوات الهامشية الغربية التي قد تنادي بالحوار مع الأسد في المستقبل، باعتبار وجوده في الحكم أمرًا واقعًا بعد أن تمكّن من استعادة السيطرة على جزء كبير من الأراضي السورية، بالتعاون مع الحليفين الإيراني والروسي، سوف تكون التكلفة، أو الثمن السياسي لهذا الحوار، مرتفعة جدًا؛ فالأسد اليوم في عين المجتمع الدولي، ربما باستثناء الموقفين الروسي والإيراني، هو مجرم حرب، بسبب ما ارتكبه من جرائم ضد الشعب السوري، وهذا ما تؤكده عشرات التقارير الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والجمعية العامة للأمم المتحدة، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة، وغيرها من هيئات ومنظمات دولية؛ ما يعني أنّ أي دعوة إلى لقاء الأسد، أو مساعدته، أو الحوار معه، ستكون مكلفة. لذلك يرجح أن تصطدم محاولة روسيا إعادةَ تأهيل النظام السوري بعقبة رئيسة متمثلة بالرأي العام الغربي الذي لن يتقبّل بسهولة عملية شرعنة "مجرم حرب". 

وفوق ذلك يجب على روسيا تجاوز مجموعة من التشريعات والقوانين التي سنّتها البرلمانات الأوروبية وكذلك الكونغرس الأميركي، والتي تجعل أي اتصال بحكومة الأسد، أو حتى طرح موضوع رفع العقوبات عنه، أمرًا غير ممكن في ظل الظروف الراهنة، وقبل التوصل إلى حل سياسي عادل للأزمة السورية.

ورغم أن الرئيس ترامب يُبدي تجاوبًا أكبر مع اهتمامات الرئيس الروسي المتعلقة بإعادة اللاجئين والمهجرين، وفقًا لأجندته الدعائية والانتخابية التي تستهدف المهاجرين واللاجئين في الولايات المتحدة وأوروبا، فإن جهات أخرى في الإدارة الأميركية تبدو، في أحسن الأحوال، غير متحمسة للخطة الروسية. وهذا يفسر الرد الفاتر الذي تلقّاه رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية من نظيره الأميركي على الرسالة التي دعاه فيها إلى المشاركة في عملية إعادة الإعمار في سورية. لقد أشار اقتراح رئيس هيئة الأركان الروسي بواقعية إلى افتقار النظام السوري إلى المعدات والوقود والتمويل اللازم لإعادة بناء البلاد من أجل عودة اللاجئين. فكان الرد الأميركي على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية أنّ الولايات المتحدة "لن تدعم عودة اللاجئين إلا عندما تكون آمنة وطوعية وكريمة". وواقع الحال أنّ ملايين اللاجئين السوريين لن يختاروا العودة طواعية إلى بيوتهم، لأنه ببساطة لم يعد لديهم بيوت حتى يعودوا إليها بعد أن دمّر الأسد بيوتهم وقراهم ومدنهم، كما أنهم لا يضمنون، ولا يضمن لهم أحد، سلامتهم الشخصية من الاعتقال والتنكيل، في حالة العودة.

حتى الآن يبدو الموقف الغربي صلبًا بخصوص إعادة الإعمار وعودة اللاجئين، إذ يجري ربطه ربطًا وثيقًا بموضوع الانتقال السياسي. وفي الحال التي لا يكون فيها انتقال سياسي، لن تساهم الدول الغربية، في ما يبدو، في دفع "أرباح جرائم الحرب" التي اقترفها الأسد ضد شعبه.